محمد بن جرير الطبري
588
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
قال أبو مخنف : عن عبد الجبار - يعنى ابن عباس الهمداني - عن عون ابن أبي جحيفه السوائي ، قال : ثم إن عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد ابن طلحه عرضا على سليمان ان يقيم معهما حتى يلقوا جموع أهل الشام على أن يخصاه وأصحابه بخراج جوخى خاصه لهم دون الناس ، فقال لهما سليمان : انا ليس للدنيا خرجنا ، وانما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من اقبال عبيد الله بن زياد نحو العراق وانصرف إبراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيد إلى الكوفة ، واجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد ، ونظروا فإذا شيعتهم من أهل البصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا أهل المدائن ، فاقبل ناس من أصحابه يلزمونهم ، فقال سليمان : لا تلزموهم فانى لا أراهم الا سيسرعون إليكم ، لو قد انتهى إليهم خبركم وحين مسيركم ، ولا أراهم خلفهم ولا اقعدهم الا قله النفقة وسوء العدة ، فأقيموا ليتيسروا ويتجهزوا ويلحقوا بكم وبهم قوه ، وما اسرع القوم في آثاركم قال : ثم إن سليمان بن صرد قام في الناس خطيبا ، فحمد الله واثنى عليه ، ثم قال : اما بعد أيها الناس ، فان الله قد علم ما تنوون ، وما خرجتم تطلبون ، وان للدنيا تجارا ، وللآخرة تجارا ، فاما تاجر الآخرة فساع إليها ، متنصب بتطلابها ، لا يشترى بها ثمنا ، لا يرى الا قائما وقاعدا ، وراكعا وساجدا ، لا يطلب ذهبا ولا فضه ، ولا دنيا ولا لذة ، واما تاجر الدنيا فمكب عليها ، راتع فيها ، لا يبتغى بها بدلا ، فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل ، وبذكر الله كثيرا على كل حال ، وتقربوا إلى الله جل ذكره بكل خير قدرتم عليه ، حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه ، فان تتوسلوا إلى ربكم بشيء هو أعظم عنده ثوابا من الجهاد والصلاة ، فان الجهاد سنام العمل جعلنا الله وإياكم من العباد الصالحين ، المجاهدين الصابرين على اللأواء ! وانا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فادلجوا . فأدلج عشيه الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنه خمس وستين للهجره